الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
13
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ [ المجادلة : 4 ] أن إيقاع الظهار معصية ، ولكونه معصية فسّر ابن عطية قوله تعالى : وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً . وبذلك أيضا فسّر القرطبي قوله تعالى : وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ . وقال ابن الفرس : هو حرام لا يحلّ إيقاعه . ودل على تحريمه ثلاثة أشياء : أحدها : تكذيب اللّه تعالى من فعل ذلك . الثاني : أنه سمّاه منكرا وزورا ، والزور الكذب وهو محرّم بإجماع . الثالث : إخباره تعالى عنه بأنه يعفو عنه ويغفر ولا يعفى ويغفر إلّا على المذنبين . وأقوال فقهاء الحنفية تدل على أن الظهار معصية ولم يصفه أحد من المالكية ولا الحنفية بأنه كبيرة . ولا حجة في وصفه في الآية بزور ، لأن الكذب لا يكون كبيرة إلا إذا أفضى إلى مضرة . وعدّ السبكي في « جمع الجوامع » الظهار من جملة الكبائر وسلمه المحلي . والكاتبون قالوا : لأن اللّه سماه زورا والزور كبيرة فكون الظهار كبيرة قول الشافعية ، وفيه نظر فإنهم لم يعدوا الكذب على الإطلاق كبيرة . وإنما عدوا شهادة الزور كبيرة . وأعقب لَعَفُوٌّ بقوله : غَفُورٌ فقوله : وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ في معنى : أن اللّه عفا عنهم وغفر لهم لأنه عفوّ غفور ، يغفر هذا وما هو أشد . والعفو : الكثير العفو ، والعفو عدم المؤاخذة بالفعل أي عفو عن قولهم : الذي هو منكر وزور . والغفور : الكثير الغفران ، والغفران الصفح عن فاعل فعل من شأنه أن يعاقبه عليه ، فذكر وصف غَفُورٌ بعد وصف ( عفوّ ) تتميم لتمجيد اللّه إذ لا ذنب في المظاهرة حيث لم يسبق فيها نهي ، ومع ما فيه من مقابلة شيئين وهما مُنْكَراً و زُوراً ، بشيئين هما ( عفوّ غفور ) . وتأكيد الخبر في قوله تعالى : وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ لمشاكلة تأكيد مقابله في قوله : وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً . وقوله : وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ يدل على أن المظاهرة بعد نزول هذه الآية منهي عنها وسنذكر ذلك . وقد أومأ قوله تعالى : وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ إلى أن مراد اللّه من هذا الحكم